محاضرة للدكتورة منى حيدر حول المجتمع العراقي والبناء الثقافي الجديد

ضمن سلسلة النشاطات العلمية والثقافية (الساعة الحرة ) الموجهة لطالبات الكلية قدمت أ.م.د.منى حيدر عبد الجبار التدريسية في قسم الخدمة الاجتماعية في كلية التربية للبنات محاضرة بعنوان ( المجتمع العراقي والبناء الثقافي الجديد )على احدى قاعات القسم .
أنصب هدف المحاضرة على دراسة ظاهرة التحول الثقافي التي حصلت في المجتمع العراقي , بالتركيز على بيان أن التغيرات التي طرأت في المجتمع العراقي كانت نتيجة متغيرات داخلية وخارجية كثيرة احدثت شرخ وتصدع في النظام الاجتماعي والثقافي للمجتمع,
ذكرت التدريسية من المعروف أن الإنسان هو كائن اجتماعي بطبعه، يميل إلى الاجتماع مع غيره من الجماعات البشرية والعيش معهم لإشباع حاجاته المتعددة والمختلفة، من خلال الاتصال بهم والتواصل معهم، عبر ما هو مادي وتقني، وما هو معنوي و بيولوجي واجتماعي. وبالتالي خلق نمط معين من طريقة وأسلوب للعيش في الحياة اليومية والتي تنتهي بمفهوم الثقافة. فعليه نجد هناك علاقة ما بين الثقافة ووسائل الاتصال. وهو ما جعل هذه العلاقة تفرز تداعيات وانعكاسات على المجتمع ونمط ثقافته العامة وثقافاته الفرعية زمنيا ومكانيا.
واشارت عبد الجبار إلى إن من سمات الثقافة الاستمرار والتراكم والتغير، وإن ثقافة كل شعب تتعرض إلى الحذف والإضافة والتجديد وفقا للمرحلة الزمنية. والتغير يكون بفعل عوامل داخلية تخص المجتمع ذاته، وخارجية عن طريق عوامل الانتشار الثقافي ومنها التجارة والهجرة والاستعمار بأشكاله والحروب والازمات السياسية والاقتصادية التي تعرضت لها غالبية المجتمعات العربية ومنها العراق , والتي كان لها تاثيرات كثيرة على البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع ، فضلا عن تأثيرات العولمة وما أحدثته من تطورات في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وما رافق هذا التطور من انفتاح واسع على ثقافات المجتمعات الأخرى والذي أدى إلى احداث تغير في القيم والعادات والانماط السلوكية التي تكون ثقافة أي مجتمع .
واضافت ان الثقافة وفقاً للعالم بواز Boas ” تضم كل مظاهر العادات الاجتماعية في جماعة ما، وكل ردود أفعال الفرد المتأثرة بعادات المجموعة التي يعيش فيها، وكل منتجات الأنشطة الإنسانية التي تتحدد بتلك العادات”، وإن ثقافة الإنسان تتضمن كل ما صنعه أينما وجد، سواء كان مادياً أم معنوياً، وترتبط بحاجاته ارتباطاً وثيقاً، وهذه الحاجات رغم تنوعها واختلافها وتعددها تخضع لظاهرة التغير والتغيير الذي يعد قانون الوجود فمركبات الثقافة لا تبقى في حالة ثابتة بل تكون بوضع متحرك وذلك بفعل عدد من العوامل الداخلية والخارجية والتي تجعل المجتمع يتثاقف ويتلاقح مع المجتمعات الأخرى من خلال التماس الثقافي معهم، فتجعله يُصدر ويقتبس أنماط ثقافية مادية ومعنوية , وهذا ما حصل للثقافة العراقية من تغيير نتيجة لانتشار واحتكاك ثقافي (تثاقف) مع الثقافات المحيطة به والبعيدة عنه عبر وسائل عديدة، ومنها وسائل الاتصال الحديثة ممثلة بشبكات التواصل الاجتماعي ، لا سيما إبان دخول الاحتلال الأمريكي في عام 2003 الى البلد والى يومنا هذا .
وبينت في ختام المحاضرة ان انغماس الفرد في مشاهدة مواد الثقافات الغربية عبر الفضائيات التلفازية كان كفيل بابتعاد الفرد عن قيمه وموروثاته الاجتماعية وتبديله بالثقافات الغربية. ليؤدي إلى سلوك مفعما بالصراع والتناقض، فالفرد المتغرب يتخطى حدود التأثر بحافز أو منبه الصراع . وعلى الرغم من ذلك فلا مانع من ان نعيش عصرنا، وان نتعامل مع المنطلقات الحضارية لهذا العصر، كما لو كانت مِنّا وإلينا، فهي قيم إنسانية أو أصبحت كذلك، ولذلك فهي ملك لنا جميعا، إذا اقتبسنا منها… فالاقتباس ليس معناه الاندماج وإقفال الفكر من دون الاختيار السليم وتجاوز المعطيات التي لا تصلح لهذا المجتمع أو ذاك . أي التركيز على القواسم المشتركة من الثقافات الإنسانية والابتعاد عن المختلفات التي تسبب وتؤجج الصراعات والصدامات الثقافية والحضارية، الداخلية في ثقافة المجتمع الواحد، والخارجية بين ثقافات المجتمعات.